الغرفة الأخيرة
في الشهر الأوّل ظننتُ أنّ الغرفة مؤقّتة. وضعتُ الحقيبة قرب الباب ولم أفتحها، كأنّ فتحها اعترافٌ بشيء لم أكن مستعدّةً للاعتراف به. كان الضوء يدخل من نافذةٍ واحدة، ويمرّ على الجدار ببطءٍ شديد حتى تظنّ أنّه يفكّر.
الجيران فوقي يمشون كثيرًا في الليل. في البداية كنت أعدّ خطواتهم؛ ثمّ صرتُ لا أسمعها. هكذا تُستأنس المدن: لا بأن تحبّها، بل بأن تكفّ عن سماعها.
ما حملتُه معي لم يكن الأشياء، بل ترتيبها.
في الشهر الثالث فتحتُ الحقيبة. لم يكن فيها ما يستحقّ كلّ ذلك التأجيل: ثلاثة كتب، وصورة، ومفتاحُ بابٍ لم يعد له باب. علّقتُ المفتاح على مسمارٍ فوق الحوض، لا لأنّني أنتظر، بل لأنّ للأشياء التي فقدت وظيفتها حقًّا في أن تبقى.
والآن، حين يسألني أحدهم أين أسكن، أقول اسم الحيّ كاملًا ولا أتلعثم. هذه، على صغرها، هجرةٌ ثانية.